السيد رضا الصدر

38

محمد ( ص ) في القرآن

قبل وقوعها . ولا مجازفة في القول بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله هو أكبر رجل عالميّ ظهر في مجتمع بشريّ ، ولكنّ البشر لم يعرفوه حتّى الآن ، ولم يؤدّوه حقّه . لم يعش محمّد صلّى اللّه عليه وآله عمرا طويلا بالرغم من كونه صحيح المزاج ، وبالرغم من استطاعته أن يعيش عيش المترفين ، عيشا لا يجد فيه ضيقا ولا ضنكا . ولعلّ السرّ في عدم تمتّعه بعمر طويل : هو كدّه وجدّه ، وإفناء نفسه في سبيل دعوته ، والتضحية بحياته لإسعاد البشر ، ولخلق حياة سعيدة عالمية يعيش الكلّ فيها بحرّية ، ويقوم الناس فيها بالقسط . إنّه الذي قام ليبعث في فضاء العالم روحا جديدة قويّة تثلّ « 1 » العروش القائمة على الجماجم ، وتهدم القصور المتعالية فوق القبور ، وتسحق الأصنام المنصوبة على أجساد الضعفاء والمضطهدين . لم يكن محمّد صلّى اللّه عليه وآله رجلا يقابل السيّئة بالسيّئة مع من أساء إليه من أعدائه ، أولئك الذين لم يقصّروا في مناوأته ومعاداته ، وعندما سيطر عليهم لم يناد بالانتقام ، ولا بالقصاص ، ولم يدع إلى تشكيل محكمة ثورية لمحاكمتهم وللأخذ بالثأر منهم ، بل كان يحبّ هدايتهم ، كما كان يحبّ هداية أحبّائه . فلم يقتصّ من وحشيّ قاتل عمّه حمزة ، كما لم يقتصّ من هند ، تلك المرأة الحاقدة التي كانت تثير الحرب ضدّه . ولمّا دخل مكّة فاتحا من دون إراقة فطرة دم ، ونادى قائد جيشه سعد بن عبادة : « اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة » ووصل النبيّ الخبر عزله من دون مهلة ، وأقام مقامه ابن عمّه علي ابن أبي طالب ، وأمره بأن ينادي : « اليوم يوم المرحمة » « 2 » .

--> ( 1 ) . أي تهدّم ، وتسقط ، وتزيل . ( 2 ) . البحار ، ج 21 ، ص 105 ؛ مجمع البيان ، ج 10 ، ص 553 .